الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين أما بعد : فنرى أن من المهم بيان حكم الله سبحانه وتعالى في جهاد أعدائه بالمال والنفس واللسان . وقد أكثر الله سبحانه من ذكر الجهاد في كتابه الكريم ، وهكذا نبيه عليه الصلاة والسلام جاءت عنه الأحاديث الصحيحة تأمر بالجهاد وتدعو إليه وتشجع عليه وتذكر فضل أهله وما لهم عند الله من المثوبة العظيمة . ومن هذا قوله سبحانه : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[1] فأمر سبحانه بالجهاد بالمال ، والنفس ، وبالنفير خفافا وثقالا ، وما ذاك إلا لعظم شأن الجهاد وشدة الحاجة إليه لما يحصل به من رفع راية الإسلام ورفع أعلامه وتنفيذ أحكامه وإزاحة العقبات عن طريق دعوته . ولما في الجهاد أيضا من نشر دين الله وبيان حقه على عباده ، ولما فيه أيضا من إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وإخراجهم من حكم الطاغوت إلى حكم الله عز وجل ، ومن ضيق الدنيا وظلمها وجورها إلى سعة الإسلام وعدل الإسلام .
وقال جل وعلا في كتابه الكريم أيضا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[2] فأخبر سبحانه وتعالى أن التجارة المنجية من العذاب الأليم هي الإيمان والجهاد ، وشوق إليها سبحانه وتعالى بقوله : تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وبقوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ فالداعي هو الله سبحانه وتعالى ، والواسطة هو محمد عليه الصلاة والسلام وهو الذي أنزل الله عليه الكتاب العظيم وبلغه إلينا . والتجارة المنجية من عذاب أليم هي إيماننا بالله سبحانه وبرسوله إيمانا صادقا يتضمن توحيده والإخلاص له وطاعة أوامره وترك نواهيه ، ونقف عند حدوده سبحانه وتعالى ، ومن جملة طاعته وطاعة رسوله الجهاد في سبيل الله عز وجل ، ولهذا ذكر الجهاد بعد الإيمان تنبيها على عظم شأنه وشدة الحاجة إليه ، وإلا فمن المعلوم أنه من شعب الإيمان حتى قال بعض أهل العلم أن الجهاد هو : الركن السادس من أركان الإسلام ، وما ذاك إلا لعظم ما يترتب عليه من المصالح العظيمة فهو شعبة عظيمة وفرض عظيم من فروض الإيمان وهو يكون بالنفس ، ويكون بالمال ، ويكون باللسان ، ويكون بأنواع التسهيل الذي يعين المجاهدين على قتال عدوهم . فالدعوة إلى الله والإرشاد إليه والتشجيع على الجهاد والتحذير من التخلف والجبن كل هذا من الجهاد باللسان ، ونصيحة المجاهدين وبيان ما أعد الله لهم من الخير والعاقبة الحميدة كله من الجهاد باللسان ، والإنفاق في سبيل الله في مصالح الجهاد وفي حاجة المجاهدين وتجهيزهم وإعطائهم السلاح والآلة المركوبة من طائرة ومن سيارة ومن غير ذلك كل ذلك من الجهاد في سبيل الله بالمال .
وبين سبحانه وتعالى في الآية الكريمة أن الإيمان والجهاد هما التجارة المنجية من عذاب الله ، فما أشرفه من عمل وما أعظمه من عمل . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله وقال عليه الصلاة والسلام : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما عليها ولكن الجهاد بالمال له شأن عظيم فهو أوسع أنواع الجهاد؛ لأن المال يستعان به على استخدام الرجال واستخدام السلاح واستخدام الدعاة ، فالمال أوسعها وأكثرها نفعا ، ولهذا بدأ به الله في الآيات قبل النفس في أغلب الآيات ، بدأ الله بالمال قبل النفس وما ذاك إلا لعظم نفعه ولكثرة ما يحصل به من الخير والعون للمجاهدين . فالجهاد بالمال جهاد عظيم ينفع المجاهدين ويعينهم على عدوهم بصرفه في استخدام المجاهدين وتجهيزهم وتفريغهم للجهاد ، والإحسان إلى عوائلهم ، ويصرف أيضا في شراء السلاح الذي يجاهد به ، ويصرف أيضا في حاجتهم من اللباس والطعام والخيام وغير ذلك ، ومصالحه كثيرة . ولهذا بدأ الله به في أغلب الآيات كما في قوله سبحانه : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ[3] وفي هذه الآية يقول جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[4]
وهذا فضل من الله عز وجل أن المجاهدين تحصل لهم هذه الأمور العظيمة : غفران الذنوب ودخول الجنة ، والنجاة من النار ، ومع كل ذلك فتح قريب ينصرهم الله ويؤيدهم على أعدائهم إذا صدقوا واستقاموا وصابروا كما قال عز وجل في حق المجاهدين : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا[5] هذا وعده لأهل الإيمان إذا جاهدوا عدوهم وصبروا واتقوا ربهم فالله ينصرهم ويعينهم ويكفيهم شر أعدائهم كما قال تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[6] ويقول جل وعلا : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[7] ، ويقول سبحانه : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[8]العاقبة لله سبحانه وتعالى يجعلها لمن يشاء سبحانه وتعالى ، فإذا صبر أهل الإيمان واتقوا ربهم وجاهدوا في سبيله عن إيمان وإخلاص وأعدوا العدة اللازمة فإن الله ينصرهم ويعينهم ، ويجعل العاقبة لهم سبحانه وتعالى كما وعد سبحانه وتعالى بذلك . ويقول جل وعلا : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ[9]فالصبر والصدق والتقوى لله عز وجل هي أسباب النصر وعناصر الفوز . والله المسؤول سبحانه أن ينصر دينه ويعلي كلمته إنه سبحانه وتعالى جواد كريم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .