الحمد لله الذي أمر بالجهاد في سبيله ، ووعد عليه الأجر العظيم والنصر المبين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل في كتابه الكريم : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[1] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وخليله أفضل المجاهدين وأصدق المناضلين وأنصح العباد أجمعين صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أصحابه الكرام الذين باعوا أنفسهم لله وجاهدوا في سبيله حتى أظهر الله بهم الدين ، وأعز بهم المؤمنين ، وأذل بهم الكافرين رضي الله عنهم وكرم مثواهم وجعلنا من أتباعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد : فإن الجهاد في سبيل الله من أفضل القربات ، ومن أعظم الطاعات ، بل هو أفضل ما تقرب به المتقربون وتنافس فيه المتنافسون بعد الفرائض ، وما ذاك إلا لما يترتب عليه من نصر المؤمنين وإعلاء كلمة الدين ، وقمع الكافرين والمنافقين ، وتسهيل انتشار الدعوة الإسلامية بين العالمين ، وإخراج العباد من الظلمات إلى النور ، ونشر محاسن الإسلام وأحكامه العادلة بين الخلق أجمعين ، وغير ذلك من المصالح الكثيرة والعواقب الحميدة للمسلمين ، وقد ورد في فضله وفضل المجاهدين من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ما يحفز الهمم العالية ، ويحرك كوامن النفوس إلى المشاركة في هذا السبيل ، والصدق في جهاد أعداء رب العالمين ، وهو فرض كفاية على المسلمين إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ، وقد يكون في بعض الأحيان من الفرائض العينية التي لا يجوز للمسلم التخلف عنها إلا بعذر شرعي كما لو استنفره الإمام ، أو حصر بلده العدو ، أو كان حاضرا بين الصفين . والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة معلومة ، ومما ورد في فضل الجهاد والمجاهدين من الكتاب المبين قوله تعالى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ[2]

المبادرة إلي الجهاد
ففي هذه الآيات الكريمات يأمر الله عباده المؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد خفافا وثقالا أي شيبا وشبابا ، وأن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، ويخبرهم عز وجل بأن ذلك خير لهم في الدنيا والآخرة ، ثم يبين سبحانه حال المنافقين وتثاقلهم عن الجهاد وسوء نيتهم وأن ذلك هلاك لهم بقوله عز وجل : لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ[3] الآية . ثم يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم عتابا لطيفا على إذنه لمن طلب التخلف عن الجهاد بقوله سبحانه : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ[4] ويبين عز وجل أن في عدم الإذن لهم تبينا للصادقين وفضيحة للكاذبين ، ثم يذكر عز وجل أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا يستأذن في ترك الجهاد بغير عذر شرعي؛ لأن إيمانه الصادق بالله واليوم الآخر يمنعه من ذلك ويحفزه إلى المبادرة إلى الجهاد والنفير مع أهله ، ثم يذكر سبحانه أن الذي يستأذن في ترك الجهاد هو عادم الإيمان بالله واليوم الآخر ، المرتاب فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي ذلك أعظم حث وأبلغ تحريض على الجهاد في سبيل الله ، والتنفير من التخلف عنه ، وقال تعالى في فضل المجاهدين : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[5] ففي هذه الآية الكريمة الترغيب العظيم في الجهاد في سبيل الله عز وجل ، وبيان أن المؤمن قد باع نفسه وماله على الله عز وجل ، وأنه سبحانه قد تقبل هذا البيع وجعل ثمنه لأهله الجنة ، وأنهم يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون ، ثم ذكر سبحانه أنه وعدهم بذلك في أشرف كتبه وأعظمها التوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، ثم بين سبحانه أنه لا أحد أوفى بعهده من الله ليطمئن المؤمنون إلى وعد ربهم ويبذلوا السلعة التي اشتراها منهم وهي نفوسهم وأموالهم في سبيله سبحانه عن إخلاص وصدق وطيب نفس ، حتى يستوفوا أجرهم كاملا في الدنيا والآخرة ، ثم يأمر سبحانه المؤمنين أن يستبشروا بهذا البيع لما فيه من الفوز العظيم ، والعاقبة الحميدة ، والنصر للحق والتأييد لأهله . وجهاد الكفار والمنافقين وإذلالهم ، ونصر أوليائه عليهم ، وإفساح الطريق لانتشار الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة ، وقال عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[6]

التجارة العظيمة
في هذه الآيات الكريمات الدلالة من ربنا عز وجل على أن الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله هما التجارة العظيمة المنجية من العذاب الأليم يوم القيامة . ففي ذلك أعظم ترغيب وأكمل تشويق إلى الإيمان والجهاد . ومن المعلوم أن الإيمان بالله ورسوله يتضمن توحيد الله وإخلاص العبادة له سبحانه . كما يتضمن أداء الفرائض وترك المحارم . ويدخل في ذلك الجهاد في سبيل الله لكونه من أعظم الشعائر الإسلامية ومن أهم الفرائض ، ولكنه سبحانه خصه بالذكر لعظم شأنه ، وللترغيب فيه لما يترتب عليه من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي سبق بيان الكثير منها ثم ذكر سبحانه ما وعد الله به المؤمنين المجاهدين من المغفرة والمساكن الطيبة في دار الكرامة ليعظم شوقهم إلى الجهاد وتشتد رغبتهم فيه ، وليسابقوا إليه ويسارعوا في مشاركة القائمين به .
ثم أخبر سبحانه أن من ثواب المجاهدين شيئا معجلا يحبونه وهو النصر على الأعداء والفتح القريب على المؤمنين . وفي ذلك غاية للتشويق والترغيب . والآيات في فضل الجهاد والترغيب فيه وبيان فضل المجاهدين كثيرة جدا . وفيما ذكر سبحانه في هذه الآيات التي سلف ذكرها ما يكفي ويشفي ويحفز الهمم ويحرك النفوس إلى تلك المطالب العالية والمنازل الرفيعة والفوائد الجليلة والعواقب الحميدة . والله المستعان . أما الأحاديث الواردة في فضل الجهاد والمجاهدين والتحذير من تركه والإعراض عنه فهي أكثر من أن تنحصر وأشهر من أن تذكر ، ولكن نذكر منها طرفا يسيرا ليعلم المجاهد الصادق شيئا مما قاله نبيه ورسوله الكريم عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم في فضل الجهاد ومنزلة أهله .
ففي الصحيحين عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها)) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصائم القائم وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه سالما مع أجر أو غنيمة)) أخرجه مسلم في صحيحه ، وفي لفظ له ((تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة)) وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي اللون لون الدم والريح ريح المسك)) متفق عليه ، وعن أنس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) رواه أحمد والنسائي وصححه الحاكم ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل أي العمل أفضل قال (( إيمان بالله ورسوله )) قيل ثم ماذا قال (( الجهاد في سبيل الله )) قيل ثم ماذا قال (( حج مبرور )) وعن أبي عبس بن جبر الأنصاري- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار)) رواه البخاري في صحيحه ، وفيه أيضا عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به مات على شعبة من نفاق)) وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه شيء حتى ترجعوا إلى دينكم)) رواه أحمد وأبو داود وصححه ابن القطان ، وقال الحافظ في [البلوغ] رجاله ثقات .

المنزلة العالية للمجاهدين
والأحاديث في فضل الجهاد والمجاهدين وبيان ما أعد الله للمجاهدين الصادقين من المنازل العالية ، والثواب الجزيل ، وفي الترهيب من ترك الجهاد والإعراض عنه كثيرة جدا ، وفي الحديثين الأخيرين وما جاء في معناهما الدلالة على أن الإعراض عن الجهاد وعدم تحديث النفس به من شعب النفاق ، وأن التشاغل عنه بالتجارة والزراعة والمعاملة الربوية من أسباب ذل المسلمين وتسليط الأعداء عليهم كما هو الواقع ، وأن ذلك الذل لا ينزع عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم بالاستقامة على أمره والجهاد في سبيله ، فنسأل الله أن يمن على المسلمين جميعا بالرجوع إلى دينه ، وأن يصلح قادتهم ويصلح لهم البطانة ويجمع كلمتهم على الحق ويوفقهم جميعا للفقه في الدين والجهاد في سبيل رب العالمين حتى يعزهم الله ويرفع عنهم الذل ، ويكتب لهم النصر على أعدائه وأعدائهم إنه ولي ذلك والقادر عليه .
ومن الجهاد في سبيل الله ما يقوم به المسلمون اليوم من قتال عدو الله حاكم العراق لظلمه وعدوانه باجتياحه دولة الكويت ، وسفك دماء الأبرياء ، ونهب أموالهم ، وهتك الأعراض ، وامتناعه من الفيئة بإخراج جيشه من البلد . ولا شك أن جهاده من أعظم الجهاد في سبيل الله ، وأن ذلك واجب على الدول الإسلامية لإنقاذ إخوانهم من ظلمه ورد بلادهم إليهم وإخراجه من بلادهم بالقوة ، لإصراره على الظلم والعدوان وعدم فيئته إلى الحق والخروج من الظلم لقول الله عز وجل : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[7] فأمر سبحانه في هذه الآية الكريمة بقتال الفئة الباغية من المؤمنين حتى تفيء إلى أمر الله ، فإذا كانت الفئة الباغية من المؤمنين تقاتل حتى تفيء إلى الحق فقتال الفئة الباغية من غير المؤمنين كحاكم العراق وأشباهه أعظم وأوجب ، وبذلك يعلم أن جهاده جهاد إسلامي عظيم والمقتول فيه من المسلمين يعد شهيدا وله أجر عظيم إذا أصلح الله نيته ، ولا يضرهم في ذلك من ساعدهم من الدول غير الإسلامية لكونهم مضطرين إليهم؛ ولأنها مساعدة في ردع الظالم الكافر ونصر المظلوم ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)) وقد أيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب وهو على دين قومه بمكة المكرمة ، وأيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم أيضا بعد موت عمه أبي طالب لما رجع إلى مكة المكرمة من دعوته أهل الطائف بالمطعم بن عدي وهو كافر على دين قومه . وقد قال الله عز وجل في كتابه العظيم : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ[8]
والأدلة في ذلك كثيرة بينها أهل العلم في كتاب الجهاد وكتبنا فيها رسالة مستقلة أوضحنا فيها كلام أهل العلم في ذلك ، وقد صدر من المؤتمر الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة في 21 / 2 / 1411 هـ التأييد لما ذكرنا ، كما أصدر المؤتمر المذكور في وثيقة مكة ما يؤيد ذلك أيضا ، وفي ذلك إيضاح للحق وإزالة للشبهة التي التبست على بعض الناس ، والله سبحانه ولي التوفيق .

إعداد القوة
وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يعدوا للكفار العدة بما استطاعوا من القوة ، وأن يأخذوا حذرهم كما في قوله عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[9] وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ[10] وذلك يدل على وجوب العناية بالأسباب والحذر من مكايد الأعداء .
ويدخل في ذلك جميع أنواع الإعداد المتعلقة بالأسلحة ، والأبدان كما يدخل في ذلك إعداد جميع الوسائل المعنوية والحسية ، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة وكيفية استعمالها وتوجيههم إلى كل ما يعينهم على جهاد عدوهم والسلامة من مكائده في الكر والفر والأرض والجو والبحر وفي سائر الأحوال؛ لأن الله سبحانه أطلق الأمر بالإعداد وأخذ الحذر ولم يذكر نوعا دون نوع ولا حالا دون حال ، وما ذلك إلا لأن الأوقات تختلف والأسلحة تتنوع ، والعدو يقل ويكثر ويضعف ويقوى ، والجهاد قد يكون ابتداء ، وقد يكون دفاعا .
فلهذه الأمور وغيرها أطلق الله سبحانه الأمر بالإعداد ، وأخذ الحذر ليجتهد قادة المسلمين وأعيانهم ومفكروهم في إعداد ما يستطيعون من القوة لقتال أعدائهم وما يرونه من المكيدة في ذلك .
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((الحرب خدعة)) ومعناه : أن الخصم قد يدرك من خصمه بالمكر والخديعة في الحرب ما لا يدركه بالقوة والعدد وذلك مجرب معروف ، وذلك من دون إخلال بالعهود والمواثيق .
وقد وقع في يوم الأحزاب من الخديعة للمشركين واليهود والكيد لهم على يد نعيم بن مسعود- رضي الله عنه- بإذن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان من أسباب خذلان الكافرين وتفريق شملهم واختلاف كلمتهم وإعزاز المسلمين ونصرهم عليهم . وذلك من فضل الله ونصره لأوليائه ومكره لهم كما قال عز وجل : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ[11] ومما تقدم يتضح لذوي البصائر أن الواجب امتثال أمر الله والإعداد لأعدائه وبذل الجهود في الحيطة والحذر ، واستعمال كل ما أمكن من الأسباب المباحة الحسية والمعنوية ، مع الإخلاص لله والاعتماد عليه والاستقامة على دينه ، وسؤاله المدد والنصر . فهو سبحانه وتعالى الناصر لأوليائه والمعين لهم إذا أدوا حقه ، ونفذوا أمره وصدقوا في جهادهم وقصدوا بذلك إعلاء كلمته وإظهار دينه .
وقد وعدهم الله بذلك في كتابه الكريم وأعلمهم أن النصر من عنده ليثقوا به ويعتمدوا عليه مع القيام بجميع الأسباب . قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[12] وقال سبحانه : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[13] وقال عز وجل : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[14] وقال عز وجل : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا[15] الآية ، وقال تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[16] وقال سبحانه : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[17] وقد سبق في هذا المعنى آية سورة الصف وهي قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ[18] والآيات في هذا المعنى كثيرة ، ولما قام سلفنا الصالح بما أمرهم الله به ورسوله وصبروا وصدقوا في جهاد عدوهم نصرهم الله وأيدهم وجعل لهم العاقبة مع قلة عددهم وعدتهم وكثرة أعدائهم كما قال عز وجل : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[19] وقال عز وجل : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[20]  ولما تغير المسلمون وتفرقوا ولم يستقيموا على تعاليم ربهم إلا من رحم الله- وآثر أكثرهم أهواءهم أصابهم من الذل والهوان وتسلط الأعداء ما لا يخفى على أحد ، وما ذاك إلا بسبب الذنوب والمعاصي ، والتفرق والاختلاف ، وظهور الشرك والبدع والمنكرات في غالب البلاد . وعدم تحكيم أكثرهم الشريعة كما قال الله سبحانه : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[21] وقال عز وجل : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[22] ولما حصل من الرماة ما حصل يوم أحد من النزاع والاختلاف والإخلال بالثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بلزومه جرى بسبب ذلك على المسلمين من القتل والجراح والهزيمة ما هو معلوم ، ولما استنكر المسلمون ذلك أنزل الله قوله تعالى : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[23] ولو أن أحدا يسلم من شر المعاصي وعواقبها الوخيمة لسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام يوم أحد وهم خير أهل الأرض ويقاتلون في سبيل الله ، ومع ذلك جرى عليهم ما جرى بسبب معصية الرماة التي كانت عن تأويل لا عن قصد للمخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتهاون بأمره ولكنهم لما رأوا هزيمة المشركين ظنوا أن الأمر قد انتهى ، وأن الحراسة لم يبق لها حاجة .
وكان الواجب أن يلزموا الموقف حتى يأذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بتركه . ولكن الله سبحانه قد قدر ما قدر وقضى ما قضى لحكمة بالغة وأسرار عظيمة ، ومصالح كثيرة قد بينها في كتابه سبحانه وعرفها المؤمنون . وكان ذلك من الدلائل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله حقا ، وأنه بشر يصيبه ما يصيب البشر من الجراح والآلام ونحو ذلك ، وليس بإله يعبد وليس مالكا للنصر ، بل النصر بيد الله سبحانه ينزله على من يشاء . ولا سبيل إلى استعادة المسلمين مجدهم السالف واستحقاقهم النصر على عدوهم إلا بالرجوع إلى دينهم والاستقامة عليه وموالاة من والاه ، ومعاداة من عاداه ، وتحكيمهم شرع الله سبحانه في أمورهم كلها ، واتحاد كلمتهم على الحق ، وتعاونهم على البر والتقوى كما قال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه : ( لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ) .
وهذا قول جميع أهل العلم ، والله سبحانه إنما أصلح أول هذه الأمة باتباع شرعه والاعتصام بحبله والصدق في ذلك والتعاون عليه ، ولا صلاح لآخرها إلا بهذا الأمر العظيم .
ونسأل الله أن يوفق المسلمين للفقه في دينه والجهاد في سبيله ، وأن يجمعهم على الهدى ، وأن يوحد صفوفهم وكلمتهم على الحق ، وأن يمن عليهم بالاعتصام بكتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ، وتحكيم شريعته والتحاكم إليها ، والاجتماع على ذلك والتعاون عليه ، وأن يصلح قادتهم . إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .