لا شك أن عمل الزعيم العراقي من اجتياحه الدولة الكويتية وما ترتب على ذلك من سفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض، لا شك أن هذا عدوان أثيم وجريمة عظيمة ومنكر شنيع يجب عليه التوبة إلى الله من ذلك والبدار بإخراج جيشه من الدولة الكويتية. لأن هذا الإقدام والاجتياح أمر منكر ومخالف للشرع ولجميع القوانين العرفية ولما تمت عليه المعاهدة بينه وبين قادة العرب في جامعتهم العربية.
والواجب عليه حل المشاكل بالطرق السلمية، وإذا لم تنجح الطرق السلمية وجب على الجميع الرجوع إلى محكمة شرعية - لا قانونية- لأن الواجب شرعا على المسلمين أن ترد جميع المنازعات بين الدول والأفراد والقبائل إلى الحكم الشرعي، بأن تشكل محكمة شرعية من علماء أهل الحق والسنة حتى يحكموا فيما تنازع عليه المسلمون من دولتين أو قبيلتين أو أفراد – بالحكم الشرعي – لقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} وإن هذا العمل الذي قام به صدام ضد الكويت هو عمل إجرامي يجب التوبة منه وعدم التمادي وذلك، والرجوع إلى الحق فضيلة وحق، خير من التمادي في الرذيلة والخط. وقد صدر بيان من مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية يبين خطأ هذا العمل، وأنه عدوان وجريمة وخيانة. وجاء في بيان المجلس - الذي أنا أحد أعضائه- أنه لا مانع من الاستعانة ببعض الكفار للجيوش الإسلامية والعربية ولا بأس من الاستعانة لصد عدوان المعتدي الكافر وظلمه والدفاع عن البلاد وعن حرمة الإسلام والمسلمين إذا غلب على الظن حصول المطلوب بذلك ودعت إليه الضرورة أما الإشاعات حول الحرمين الشريفين فإنهما بحمد الله بمنأى عن الزعيم العراقي وغيره وهما آمنان بحمد الله.
وكل ما في الأمر أن الدولة السعودية احتاجت إلى الاستعانة ببعض الجيوش من جنسيات متعددة ومن جملتهم الولايات المتحدة وإنما ذلك للدفاع المشترك مع القوات السعودية عن البلاد والإسلام وأهله ولا حرج في ذلك. لأنه استعانة لدفع الظلم وحفظ البلاد وحمايتها من شر الأشرار وظلم الظالمين وعدوان المعتدين فلا حرج كما قرره أهل العلم وبينوه. وأما ما أشاعته بعض الأقليات الإسلامية التي صدقت أقوال صدام وأكاذيبه حول تدخل الكفار في شؤون المسلمين ومقدساتهم وغيرها من الإشاعات الباطلة، فإنه شيء باطل ولا أصل له والذي أشاعه هو حزب صدام وهو حزب بعثي قومي وليس حزبا إسلامي، وحتى لو كانوا مسلمين إذا تعدوا وجب ردعهم ولو بالاستعانة ببعض الكفرة، وعلى طريقة سليمة كما هي يُدفع بها الشر وتُحمى بها البلاد، والرسول - صلى الله عليه وسلم – استعان بدروع من صفوان بن أمية يوم حنين لحرب أهل الطائف وصفوان حينذاك لم يسلم وبذلك يعلم أن الاستعانة بالكفار على الكفار من تعدى وظلم يجوز إذا غلب على الظن حصول المقصود بذلك ودعت إليه الضرورة والذي لا يجوز هو أن ينصر الكفار على المسلمين، أما ما جرى من الاستعانة ببعض الكفار ضد صدام فهو مما يحمي المسلمين وأراضيهم من المجرمين والمعتدين والكافرين، وفرق بين الاثنين، بين إنسان ينصر الكفار على المسلمين ويعينهم على المسلمين وهذه هي الردة عن الإسلام والتولي للكفار وذلك منكر لا يجوز. أما من ينصر المسلمين ويستعين ببعض الكفار على عدو المسلمين كما هو الحال في المملكة من الاستعانة بالكفار لردع المعتدي الكافر وصده عن بلاد الإسلام ومقدساتهم فهذا أمر مطلوب ولازم. لأنه لحماية المسلمين ودفع للظلم عنهم. والواجب على الزعيم العراقي أن يتوب إلى الله ويرجع عما هو عليه من الباطل، ويرد الحق إلى أهله ويترك حزب الشيطان، وعليه أن يلتزم بالإسلام، وأن يسوس الرعية بذلك ويحكِّم شرع الله وندعو له بالهداية. وأكد سماحته في إجابته على سؤال للجزيرة حول إمكانية إيجاد محكمة دولية شرعية لحل المنازعات بين الدول فقال: يجب على جميع الدول الإسلامية من العرب وغيرهم حل منازعاتهم بالطرق الشرعية وذلك بإيجاد محاكم شرعية في كل دولة لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[1]، ويقول جل وعل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[2]، ويقول سبحانه وتعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}[3] فإذا تنازعت دولتان أو أكثر وجب أن يحكم بينهما علماء الإسلام بحكم الشريعة فيما تنازعوا به على ضوء الكتاب والسنة، لا بالقوانين التي وضعها الرجال بل بشرع الله وحكمه سبحانه عملا بالآيات المذكورة والواجب على الجنود العراقيين وعلى كل مسلم أن يحترم مال المسلم ودمه وعرضه وأهله، ولا يجوز التعدي على أي مسلم لا في الكويت ولا في غيره، ولا على ماله أو عرضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)).
وهذا العدوان من العراق لا يبرر للجنود وأفراد الجيش أن يتعدوا على الكويتيين أو غيرهم، ويأخذوا أموالهم، أو يضربوا أجسادهم، أو يقتلوهم أو يقتلوا صبيانهم، أو يتعدوا على نسائهم، كل ذلك منكر وحرام لا يجوز، والواجب أن يتقوا الله وأن يحذروا ما حرم الله وأن لا يقدموا على أمر يغضب الله عليهم ويسبب دخولهم النار والبعد عن رحمته ورضوانه.
وأوصي شعب الكويت المظلوم بتقوى الله، وأن يستقيموا على دينه، وأن يتوبوا إليه عن سالف ذنوبهم، وأن يسألوا الله النصر على العدو، وأن يعيدهم إلى بلادهم سالمين وسوف يعوضهم الله خيرا مما أخذ منهم بالتوبة النصوح، يعطيهم الله ما فاتهم ويعوضهم خيرا منه سبحانه وتعالى كما قال عز وجل: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[4]، ويقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا}[5].
ونسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالتوبة، وكل منا على خطر، وكل مسلم في أي مكان في السعودية أو الكويت أو الشام أو اليمن، وفي كل مكان، عليه محاسبة النفس ومجاهدتها في الله، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه. لذلك فإن على جميع إخواننا بالكويت وعلى جميع المسلمين بالمملكة العربية السعودية وكل مكان عليهم تقوى الله، وأن يجاهدوا أنفسهم في طاعة الله وأن يصبروا على ما أصابهم من مصائب، كما أن عليهم الاستقامة على الحق والتواصي به، والتناصح في الله أصلح الله لهم ما كان فاسد، ورد عليهم ما كان شارد، وعوضهم خيرا مما أصابهم، وجعل لهم سبحانه وتعالى العاقبة الحميدة، قال عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[6] وقال تعالى: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}[7] ومن يتق الله يوفقه الله ويعوضه خيرا مما أخذ منه، ويمنحه الرحمة العامة والشاملة التي تعم أمر دينه ودنياه وآخرته.

وفي ختام تصريح سماحته قال: نصيحتي للمسلمين عامة جميع: أن يتقوا الله وأن يلتزموا بشرع الله، وأن يتدبروا القرآن العظيم ويعتنوا بالسنة المطهرة، وأن ينظموا أعمالهم على ضوء الكتاب والسنة، وأن تكون أعمالهم وأقوالهم وخلافاتهم كلها ترجع إلى الكتاب والسنة لا إلى القوانين الوضعية، بل يجب أن تكون كلها محكومة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يلتزموا بهذا أفرادا وجماعات ودول، وهذا هو الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى شرع الله، وأن يستقيموا على دين الله، وأن يعملوا بما أمر دين الله، وأن ينتهوا عما حرم الله، لأن الله سبحانه يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[8] ويقول سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ}[9] {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}[10] {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم}[11].
فنحن مأمورون بتقوى الله جميعا والحفاظ على دينه وبذلك يصلح الله لنا أعمالنا ويغفر ذنوبنا كما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[12] وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}[13] وهذا هو الواجب على الناس جميعا أن يتقوا الله ويعبدوه وحده ويحكموا شريعته وينقادوا لأمره ويحذروا نهيه سبحانه، وأن يقفوا عند حدوده، وأن يتواصوا بهذا ويتناصحوا فيه كما قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[14] ويقول سبحانه: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[15] ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة)) قيل لمن يا رسول الله ؟ قال ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) ويقول جرير بن عبدالله البجلي (بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على إقامة الصلاة وعلى إيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم)وهذا هو الواجب على مستوى الشعوب ورؤساء الدول الإسلامية، أن يتقوا الله وأن يتناصحوا وأن يتواصوا بالحق، وأن يحكّموا شرع الله دون القوانين المخالفة لشرع الله وأسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع وأن يهديهم سواء السبيل وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم وأن يعيذهم من شر الأشرار، كما أسأل الله سبحانه أن يكفينا شر كل ذي شر، وأن يرد كيد كل عدو في نحره، وأن يكشف شره أينما كان. وأن يحسن العاقبة لنا وللمسلمين إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.