من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرات المشايخ المكرمين مقادمة بيت القرزات ، الشيخ عبود بن سعيد ، والشيخ سالم بن سعيد ، والمنصب الشيخ سالم باحميد ، والشيخ عبود بن محمد الدلخ ، وفقهم الله لما فيه رضاه وأصلح لي ولهم أمر الدنيا والآخرة آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
وبعد بلغني أن بعض الإخوة في الله قد سجن بطرفكم بأسباب قيامه بالدعوة الإسلامية والتحذير من عبادة الأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك ، والدعوة إلى هدم القباب والأبنية التي على الأضرحة . لكونها من أسباب الفتنة بالمقبورين والغلو فيهم ، وقد كدرني ذلك وكدر من بلغه ذلك من المسلمين ، وما ذاك إلا لأن الله سبحانه أنزل القرآن الكريم وبعث الرسول العظيم محمد بن عبد الله لدعوة الناس إلى عبادة الله وحده وتحذيرهم من عبادة المخلوقين من الأنبياء والملائكة والأولياء وغيرهم ، وقد صدع الرسول بذلك وأنذر الناس من الشرك وأمر بإخلاص العبادة لله وحده ، كما قال الله سبحانه وتعالى : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ[1] وقال تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ[2] وقال تعالى : وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا[3] وقال عز وجل : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[4] وقال تعالى : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ[5] وقال تعالى لنبيه : قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين[6]
والنسك : هو الذبح ، ومعنى قوله وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أي من هذه الأمة ؛ لأن إسلام كل نبي يكون قبل أمته ، وقال النبي في الحديث الصحيح : ((حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا)) وقال : ((من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار)) وقال عليه الصلاة والسلام : ((لعن الله من ذبح لغير الله)) وقال : ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال : نهى رسول الله أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه فهذه الآيات والأحاديث - أيها المشايخ - تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده ، وأنه سبحانه هو المستحق لجميع العبادات من الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر والصلاة والصوم وغير ذلك من العبادات ، وأن صرف ذلك أو شيء منه لغير الله شرك بالله وعبادة لغيره ، وتدل الأحاديث المذكورة أنه لا يجوز اتخاذ المساجد على القبور ولا البناء عليها ولا تجصيصها ، وما ذاك إلا لأن هذه الأعمال وسيلة إلى الغلو في الأموات وعبادتهم من دون الله ، كما قد وقع ذلك من بعض جهال الناس . إذا علمتم ذلك فالواجب عليكم مساعدة الدعاة إلى الله والقيام معهم وحمايتهم ممن يريد التعدي عليهم ؛ لأن ذلك من نصر دين الله ، والجهاد في سبيله ، والله سبحانه وتعالى يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[7] وقال تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[8] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) وأعظم المنكرات هو الشرك بالله سبحانه ووسائله وذرائعه ، ثم البدع والمعاصي ، فالواجب عليكم أن تنكروا ما أنكره الله ونهى عنه ، وأن تأمروا بما أمر الله به ورسوله ، وذلك هو طريق السعادة والنجاة والعزة والكرامة في الدنيا والآخرة ، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أنصار الحق ودعاة الهدى ، ومن الهداة المهتدين إنه سميع قريب .
والذي أرجوه منكم هو البدار بالشفاعة لدى المسئولين في إطلاق سراح المسجونين من الدعاة ، إن كان ما بلغني عن سجنهم صحيحا ، وبذل الوسع في مساعدة الإخوان القائمين بالدعوة إلى الإسلام الصحيح السليم من الشوائب ، والتحذير من الشرك والخرافات والبدع التي جاء الإسلام بالنهي عنها ومحاربتها ، وإذا كان قد أشكل عليكم شيء من كلام بعضهم فأفيدونا عن ذلك حتى نوضح لكم إن شاء الله الإشكال ، بالأدلة من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم ، مع بيان خطأ من أخطأ منهم ؛ لأن المقصود هو إظهار الحق الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم والدعوة إليه ، وبيان الباطل والتحذير منه ، عملا بقول الله سبحانه : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[9] وقوله سبحانه : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[10] والله المسئول أن يصلح قلوبنا جميعا وأن يعمرها بخشيته ومحبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة عباده المؤمنين ، المحبة البريئة من الشرك والخرافات ، وأن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم ، إنه على كل شيء قدير ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله وسلم على عبده ورسوله إمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه أجمعين .

نائب رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة